كيف تستعيد شغفك من جديد وتعيد بناء طاقتك الداخلية مهما كانت الظروف

هناك أوقات في الحياة نشعر فيها وكأن الطاقة التي كانت تحركنا اختفت تدريجيًا، وكأن الشغف الذي كان يجعل كل شيء يبدو ممكنًا قد ذاب مع الأيام. نفتح أعيننا في الصباح من دون رغبة حقيقية في فعل أي شيء، ونمشي خلال اليوم وكأننا نؤدي واجبات مفروضة لا أكثر. وهذا الشعور قد يمرّ به أي إنسان مهما كان ناجحًا أو قويًا أو مليئًا بالأحلام. فالإنسان ليس آلة؛ نحن نتأثر بالظروف، بالخيبات، بالإرهاق، وبالضغوط التي تتراكم في داخلنا على مدى أشهر وربما سنوات.

لكن الجميل في الشغف أنه يشبه النار التي قد تخبو لكنها لا تنطفئ تمامًا. قد تحتاج فقط إلى دفعة صغيرة، أو تغيير بسيط، أو لحظة صادقة مع نفسك تعيد فيها ترتيب أفكارك، لتبدأ تلك النار بالاشتعال من جديد. وهذا المقال هو محاولة للاقتراب من هذا الموضوع بطريقة واقعية، من خلال فهم ما يحدث داخلنا، ومعرفة كيف يمكن أن نستعيد شغفنا خطوة بخطوة، مهما كانت الظروف التي مررنا بها.

فهم الشعور بفقدان الشغف قبل محاولة علاجه

قبل أن تبحث عن طريقة لاستعادة شغفك، حاول أن تتوقف للحظة وتسأل نفسك سؤالًا بسيطًا ولكنه عميق: لماذا فقدت شغفي؟
ليس كل فقدان شغف يشبه الآخر، وليس كل تعب يعني أنك فقدت حبك للحياة أو العمل أو الدراسة. أحيانًا ما نفتقده ليس الشغف نفسه، بل الطاقة. وأحيانًا نفقد الاتجاه، فنظن أننا فقدنا الشغف.

هناك أسباب كثيرة قد تقف وراء هذا الشعور، منها:

  • الإرهاق المستمر من العمل أو الدراسة أو الحياة بشكل عام
  • ضغوط عائلية أو مادية أو نفسية تستنزفك من الداخل
  • الشعور بأنك لا تتقدم مهما حاولت
  • مقارنة نفسك بالآخرين
  • القيام بأشياء تستهلكك لكنها لا تشبهك
  • فقدان الرغبة في الاستمرار في شيء لم يعد يناسبك

فهم السبب هو نصف الحل. لأنك عندما تعرف لماذا فقدت شغفك، يصبح بإمكانك معرفة الطريق الذي يجب أن تسلكه لاستعادته.

العودة إلى الأساسيات: ما الذي تحبه فعلاً؟

أحيانًا نفقد شغفنا لأننا نبتعد عن الأشياء التي كانت تمنح حياتنا معنى. قد تكون ضغوط الواقع قد دفعتك إلى الانشغال بأمور لم تكن ترغب بها في الأصل، أو قد تكون الظروف قد أجبرتك على تجاهل شغفك لوقت طويل حتى ظننت أنه لم يعد موجودًا.

جرب أن تسأل نفسك بعض الأسئلة:

  • ما الشيء الذي كنت تستمتع به قبل سنوات؟
  • ما الأنشطة التي تجعلك تنسى الوقت أثناء القيام بها؟
  • ما الأشياء التي تمنحك شعور الرضا عندما تنتهي منها؟
  • ما الأحلام التي كنت تحلم بها قبل أن يسرقك الواقع؟

قد تتفاجأ بأنك ما زلت تحب هذه الأشياء، ولكنك فقط لم تعد تمنحها فرصة.

أحيانًا مجرد العودة لممارسة شيء بسيط كنت تحبه—مثل الكتابة، أو الرسم، أو الرياضة، أو القراءة—قد تعيد تشغيل قلبك من جديد.

الشغف لا يعود بالقوة: خطوات صغيرة تغيّر كل شيء

أحد أكبر الأخطاء التي يقع فيها الكثيرون أنهم يريدون استعادة الشغف دفعة واحدة، وكأنهم يشعلون زرًا كهربائيًا. لكن الحقيقة التي لا يدركها الكثيرون أن الشغف يشبه النبات: ينمو ببطء، يحتاج إلى العناية، ويظهر تأثيره مع الوقت.

إليك خطوات صغيرة لكنها فعّالة:

ابدأ بخمس دقائق فقط

إذا كنت تشعر بأنك غير قادر على فعل أي شيء، فابدأ بخمس دقائق فقط. خمس دقائق من القراءة، من الرياضة، من العمل على مشروع تحبه. هذه الدقائق الصغيرة قد تكون الشرارة الأولى.

غيّر روتينك اليومي بشكل بسيط

ليس مطلوبًا تغيير حياتك بالكامل، فقط غيّر ترتيب الأشياء.
غيّر الوقت الذي تستيقظ فيه، المكان الذي تعمل فيه، أو المهمة التي تبدأ بها يومك. التغيير البسيط قد يمنح عقلك إحساسًا بالانتعاش.

خفّف من الضوضاء حولك

لا يمكنك أن تسمع صوت شغفك إذا كان محاطًا بالضوضاء:
ضوضاء المشاكل، ضوضاء المقارنة، ضوضاء التوقعات. حاول أن تقلل من وجود الأشخاص أو الأمور التي تستنزفك.

مارس نشاطًا يناسب طاقتك الحالية

إذا كنت مرهقًا، لا تجبر نفسك على نشاط يحتاج جهدًا كبيرًا. اختر شيئًا بسيطًا يعيد شحن طاقتك بدلًا من استنزافها.

البيئة المحيطة تلعب دورًا كبيرًا

بعض الأحيان لا يكون فقدان الشغف بسببنا، بل بسبب البيئة التي نعيش فيها. بيئة مليئة بالضغط، أو الناس السلبيين، أو الطاقة المنخفضة، تجعل من الصعب علينا أن نعيد اكتشاف أنفسنا. لذلك حاول أن تغيّر جزءًا من البيئة حتى لو لم يكن تغييرًا كبيرًا.

  • جرّب أن ترتّب غرفتك أو مكتبك بشكل مختلف
  • ابتعد قليلًا عن الأشخاص الذين يثقلون عليك
  • اقترب من الناس الذين يدعمونك ويشعلون داخلك الأمل
  • غيّر الأماكن التي تجلس فيها أو تعمل فيها

التغيير في البيئة قد يمنحك شعورًا بأنك دخلت مرحلة جديدة في حياتك، وهذا وحده قد ينعش الشغف لديك.

افهم أن الشغف لا يرتبط دائمًا بالمتعة

كثير من الناس يظنون أن الشغف يعني أن تشعر دائمًا بالحماس تجاه ما تفعله، لكن الحقيقة مختلفة تمامًا.
حتى الأشخاص الذين يعيشون شغفهم ويتقنون عملهم ويميلون إليه، يمرون بأيام صعبة، أيام يشعرون فيها بالتعب والملل والضغط.

الشغف الحقيقي ليس ذلك الشعور اللحظي الذي يجعلك سعيدًا طوال الوقت.
الشغف الحقيقي هو القدرة على الالتزام، حتى عندما يكون الطريق صعبًا.

إذا كنت تشعر أن العمل الذي تحبه أصبح متعبًا، لا يعني ذلك أنك فقدت شغفك به. قد يعني فقط أنك تحتاج إلى استراحة، أو تنظيم جديد، أو مجرد وقت للتنفس.

حماية طاقتك الداخلية أهم من البحث عن الشغف

قبل أن تبحث عن شيء يمنحك الشغف، تأكد أنك لا تستنزف نفسك دون أن تشعر. كثير من الناس يحاولون استعادة شغفهم بينما طاقاتهم منهكة تمامًا. والإنسان المنهك لن يشعر بالشغف مهما حاول.

ابدأ بالدفاع عن طاقتك:

  • قل “لا” للأشياء التي لا تناسبك
  • قلل من العمل الزائد
  • خذ فترات راحة حقيقية
  • امنح نفسك مساحة للمشاعر بدلًا من كبتها
  • ابتعد مؤقتًا عن الأشياء التي تسبب لك التوتر

عندما تستعيد طاقتك، يبدأ الشغف بالظهور تدريجيًا.

تعلّم أن تتصالح مع المرحلة التي تمرّ بها

أحيانًا يكون فقدان الشغف رسالة من حياتك تخبرك أن شيئًا ما يحتاج إلى التغيير. قد تكون نظرتك للحياة، أو أهدافك، أو أحلامك التي أصبحت لا تشبهك اليوم. ومع مرور الوقت، نحن كبشر نتغير، وتتغير احتياجاتنا وأولوياتنا ورغباتنا.

لا تجبر نفسك على العودة إلى نسخة قديمة منك.
أحيانًا الشغف الجديد ينتظرك في مكان آخر، في فكرة مختلفة، في مجال آخر، أو حتى في أسلوب حياة جديد تمامًا.

السؤال الذي يجب أن تسأله لنفسك هو:
هل أريد استعادة الشغف القديم؟ أم أنني أبحث عن شغف جديد يناسب الشخص الذي أصبحت عليه الآن؟

خطوات عملية لاستعادة الشغف من جديد

استكشف شيئًا جديدًا

جرب هواية جديدة، مهارة جديدة، أو مشروعًا صغيرًا. ليس بهدف أن تصبح خبيرًا، بل فقط لإيقاظ روح التجربة داخلك.

اكتب مشاعرك وأفكارك

الكتابة تساعدك على فهم نفسك، وتحرير الضغط الداخلي، ورؤية الأمور بشكل أوضح.

تذوّق الحياة الصغيرة

أحيانًا الشغف يعود عندما نستمتع بالأشياء البسيطة: كوب قهوة، وقت مع شخص تحبه، مشاهدة الغروب، أو نزهة قصيرة.

اقترب من الناس الإيجابيين

الناس الذين يمتلكون طاقة جميلة قد يساعدونك أكثر مما تتوقع.

ذكّر نفسك بإنجازاتك القديمة

حتى لو بدت صغيرة. النجاحات القديمة هي دليل على قدرتك، ويمكن أن تعيد لك الثقة التي فقدتها.

الشغف لا يعود من الخارج… إنه ينمو من الداخل

الشيء المهم الذي يجب أن تعرفه هو أن الشغف لن يأتي إليك من الخارج، لن يأتي من حماس الآخرين ولا من إعجاب الناس بك ولا من الظروف المثالية. الشغف الحقيقي ينمو من الداخل، من اللحظة التي تبدأ فيها باحترام نفسك، بالاهتمام بها، بإعادة ترتيب حياتك، أو حتى إعادة تعريف ما تريده منها.

والآن، مهما كان ما تمر به، تذكّر هذا:
أنت لست فاقدًا للشغف، أنت فقط تحتاج إلى وقت، وإلى صدق مع نفسك، وإلى خطوات صغيرة جدًا… لكنها خطوات تعيد إليك ما ظننته ضاع إلى الأبد.

أضف تعليق